الشيخ حسن المصطفوي

194

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

فليعتبر الإنسان الشابّ اللطيف القوىّ من رؤية هذا الجريان الطبيعىّ ، ويتوجّه إلى أنّ هذه الحالة غير مستمرّة له ، بل لا بدّ له من النزول والسقوط والضعف : * ( ثُمَّ رَدَدْناه ُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ) * وهذا الصعود والنزول قانون طبيعىّ وناموس كلىّ في جميع مراتب عالم المادّة : * ( مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ ) * . * ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * - 23 / 41 هذا الجريان في قرن بعد جريان نوح النبىّ ( ص ) . * ( ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ) * - 23 / 31 وإنّهم أهلكوا بالصيحة الشديدة ، فصاروا غثاء ، خارجة عن موقعيّتهم ساقطة عن مقامهم . وصاروا بالصيحة أمواتا وأجسادا بلا حركة لا روح ولا حياة ولا حسّ فيها ، كأنّهم خشب يابسة . وبلحاظ انقطاعهم عن حقيقة الحياة وهي الروحانيّة والايمان با لله ، وخروج الروح عن أبدانهم : صاروا أجسادا خفيفة ، لا يستطيعون صرفا ولا دفاعا ولا تمسّكا ولا جلبا لنفع وخير ، يحملهم السيل أو عامل آخر . واطلاق الغثاء على هذه الأجساد البالية الساقطة : يدلّ على ما ذكرنا من عدم اختصاصه بالزبد أو الورق أو القذر أو غيرها . غدر مقا ( 1 ) - أصل صحيح يدلّ على ترك الشيء . من ذلك الغدر : نقض العهد وترك الوفاء به ، يقال غدر يغدر غدرا ، ويقولون في الذمّ يا غدر ، ويقال ليلة غدرة : بيّنة الغدر ، أي مظلمة ، وقيل لها ذلك لأنّها تغادر الناس في بيوتهم فلا يخرجون من شدّة ظلمتها . والغدير : مستنقع ماء المطر ، وسمّى بذلك لأنّ السيل غادره أي تركه . ومن الباب غدرت الشاة إذا تخلَّفت عن الغنم ، فإن تركها الراعي فهي

--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه‍ .